عبد الباقي مفتاح

106

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

وإن كان واحدا إلى أمر ونهي وخبر واستخبار . ومن هذين الفلكين تحدث الأشكال الغريبة في عالم الأركان وعنهما يكون خرق العوائد على الإطلاق وهي من الأشكال الغريبة ولا يعرف أصلها وهو هذا . وتظهر في عالمين في عالم الخيال لقوله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( طه ، 66 ) وفي عالم الحقيقة والكرامات . وهذان الفلكان قل من يعبر عنهما أو يصل إليهما من أصحابنا إلا الأفراد وكذلك من أرباب الهيئة والأرصاد . وإذا رأوا شكلا غير معتاد في الطبيعة نسبوا ذلك إلى شكل غريب في الفلك صدر عنه هذا لا يجري عليه قياس . ومن هذين الفلكين كانت الخواص في الأشياء وهي الطبيعة المجهولة فيقولون يفعل بالخاصية فلو أدركوا حركة هذين الفلكين لم يصح لهم أن يجهلوا شيئا في العالم ) . انتهى . ولهذا تكلم الشيخ في هذا الفص عن الطبيعة وآثارها وعلى الطبيب خادم الطبيعة وعلى العوائد وخرقها وتشابه تكرارها لأن الكرسي هو مصدر كل ذلك . ومن جهة أخرى فالمظهر الخارجي المحسوس للكرسي هو فلك المنازل في الدنيا وهو سور الأعراف في الآخرة الذي له وجه علوي للجنة محل قدم الصدق والسعادة ، ووجه سفلي لجهنم محل قدم الجبار والشقاء . فوجهه الجناني للصحة والعافية ووجهه الجهنمي للمرض والأسقام لأن الأمراض والآلام تقع في عالم التركيب العنصري لا في عالم البساطة الروحانية التي هي فوق فلك المنازل . والطبيعة تكون عنصرية من فلك المنازل إلى أسفل سافلين . فمن تحته تظهر الآلام والأسقام الحسية والمعنوية في الدنيا والآخرة . ولهذا تكلم الشيخ عن الآلام والغموم والصحة والسلامة في الفصل الذي خصصه للكرسي وهو الفصل 18 من الباب 198 من الفتوحات . وفلك المنازل ظاهرا أو الكرسي باطنا هو المظهر الكوني للقبضة الإلهية التي تكلم الشيخ عنها في جوابه عن السؤال 120 من أسئلة الترمذي . فالمقبوض مقيد . ولهذا تكلم الشيخ عن التقيد . فقال إن الدين هو الانقياد للشرع . والمكلف أما منقاد بالموافقة واما مقيد بالمخالفة . وإنما تكلم على الشرع والدين لأن الشيخ ذكر في عدة مواضع من الفتوحات أن الشرائع الدينية مصدرها من الكرسي . ففي الباب 58 مثلا يقول : ( للرسالة مقام وهو عند الكرسي ذلك هو مقام الرسالة ونبوة التشريع . . . لأنه من الكرسي تنقسم الكلمة إلى خبر وحكم ) . ولهذا تكلم في آخر هذا الفص عن مقام الرسل والورثة وخدمتهم للأمر والنهي الإلهيين النازلين من الكرسي . وأول كلمة في هذا الفص تشير إلى مرتبة الكرسي من حيث الازدواجيه ومن حيث التقيد بالشكل وهي قوله : ( الدين دينان ) فالدين هو التقيد والانقياد . والقيد هو الشكل وبه سمي